حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
300
شاهنامه ( الشاهنامه )
الآراء في ذلك في فاتفقا على إنفاذ جيو إلى زابلستان ، وإعلام رستم ودستان بحال الملك واستنهاضهما إلى حضرته ليكماه ويصرفاه عما هو عليه . فسار جيو إلى زابلستان ، وأخبر رستم بما دهاهم من حال الملك . فاهتم رستم وذكر الحال لأبيه ففرّقا الرسل في أطراف ممالكهما وجمعا الموابذة والمنجمين ، واستصحباهم إلى إيران . قال : ولما مضى على احتجاب الملك أسبوع أمر في اليوم الثامن فرفعت الحجب ، وأذن في الدخول عليه فدخل عليه الملوك والأمراء فأكرمهم وأنزل كل واحد منهم منزلته في الخدمة . فما قعد منهم واحد . وقالوا : أيها الملك الكبير ! إنا نصحاؤك وعبيدك فأعرب لنا عما انطوى عليه ضميرك ، وأي جرم صدر منا حتى سدّ علينا الطريق إليك ومنعنا من المثول بين يديك ؟ لقد طال هذا الانقباض وأظلم علينا لأجله النهار ، ولأي أي معنى لا يبوح لنا الملك بسره ، ولا يستقدح آراءنا في أمره حتى لو اعتراه ذلك من بحر استنزفناه أو من جبل نسفناه ؟ وإن كان يحتاج في إزالته إلى مال فنحن كلنا حفظة أمواله وذخائره وخزنة كنوزه ورغائبه . وإذا علمنا بالحال أنفقنا جميعها في سبيل مراضيه حتى نفرج عن الملك ما هو فيه . فقال لهم : إنه ليس شيء مما تذكرون . ولكن في نفسي أمينة أرجو أن أبلغها من اللّه عز وجل . وهأنا أسأله ذلك وطول الليل والنهار . وسأبرزها لكم عند قضائها من مضيق الكتمان إلى فضاء الإظهار . فارجعوا الآن ولا تحموا على قلوبكم كل هذا الاضطراب والقلق » . رؤيا الملك كيخسرو ملكا في المنام فخرجوا وأمر بإسبال الحجب ، وعاد إلى عبادة اللّه تعالى وبقي خمسة أسابيع بين يدي اللّه عز وجل يبكى ويتضرع ويسأل اللّه تعالى أن يمكن له في جواره وينقله إلى دار قراره . فغفا غفوة ذات ليلة وقت الفجر ورأى في المنام كأن ملكا نزل عليه وقال له في أذنه : أيها الملك السعيد » انك قد أعطيت ما سألت فتجهز إلى جوار اللّه الكريم ، ولا تقم في هذه الدنيا الكدرة ، وفرق الأموال على المحتاجين والفقراء والمساكين ، واعهد إلى ملك عادل يقول مقامك من السلطنة ، واعلم أنه لم يبقى من مقامك إلا القليل » . فانتبه الملك وهو غريق في عرقه فسجد باكيا بين يدي اللّه عز وجل يشكره على قضاء ووطره وإنجاز أمله . فنحىّ التاج عن رأسه وخلع السوار ولبس ثوبا جديدا وجلس على التخت . نصيحة وموعظة من زال إلى الملك كيخسرو فوصل رستم وأبوه في خلق من الموابذة والهرابذة فاستقبله الإيرانيون . ولما لقى طوس رستم أجهش اليه بالبكاء ، وذكر له ما اعترى الملك من تغيره عن الحالة المعهودة . فأقبلوا إلى بابه فرفعت الحجب . ولما رأى الملك رستم وزالا بادرهما بالمصافحة والمعانقة ، وتهلل مستبشرا إلى من كان معهما من الموابذة والهرابذة ،